الفيلسوف كمال يوسف الحج: ابعاد القومية اللبنانية

21

ابعاد القومية اللبنانية
الفيلسوف كمال يوسف الحج
نقلاً عن موقع L e b a n o n i s m . c o m لبنان الابداع والفكر والتـراث – مجموعة الفكر اللبناني

“ابعاد القومية اللبنانية” من الناحية التاريخية والاقتصادية ولثقافية والاجتماعية، محاضرات القيت في جامعة الروح القدس – الكسليك في العام 1970.
ف ” قضية القومية هي من القضايا الكبرى المطروحة على بساط البحث اليوم في عالم الفكر والسياسة،في لبنان والبلاد العربية. ان الاحداث المصيرية، على ما يظهر، في إذكاء هذه المشكلة وتعقيدها. لذلك لا يجوز الوقوف منها موقف التجاهل واللامبالاة. كما انه من الخطاء ان تعالج بالهوس والحماس
ومن المفكرين الذين حاضروا في هذا الموضوع الفيلسوف كمال يوسف الحج، وعنوان محاضرته : ” قوميات إزاء القومية اللبنانية” ، ومنها نقتطف هذا الحوار الذي تم بين الفيلسوف المحاضر وثلاثة صحافيين. وربما يكون هذا الحوار الجواب الشافي على المتمسكين بالعروبة او القومية السورية او اي قومية اخرى خارج مظلة القومية اللبنانية:
زارني، يوماً، ثلاثة صحافيين من خيرة شبابنا الواعي، في حقل الثقافة والسياسة.اعرفهم، واحترمهم. عقيدتهم هي القومية العربية، عقيدتي هي القومية اللبنانية.
وكانت الغاية من زيارتهم لي ان نتذاكر حول لبنان والقومية العربية. افتتح الكلام كبيرهم
.
قال : الا تعتقد ان لبنان بلد عربي.
قلت : اعتقد
فال : اذاً انت تعترف بأنك عربي.
قلت : اعترف.
قال : اتمانع في ان نسجل عليك هذا التصريح؟ انه كسب لنا.
قلت : لا امانع. ولكن المعركة لم تنته بيننا. لقد بدأت.
قال : وكيف ذلك؟
قلت : ان اكون عربياً شئ وأن اكون قومياً عربياً شئ آخر. ليس كل عربي قومياً عربياً. انا قومي لبناني. ( ساد محدثي الوجوم ) أرأيت كيف ان الالفاظ تلعب دوراً كبيراً، وكبيرأً جداً، في المعارك السياسية. ان لفظة عربي صفة لا وجود ، أو قل : هي نعت مضاف الى وجود. تعني فقط ان كل من يتكلم العربية كلغة – ام له هو عربي. وعليه فانا عربي لساناً. وهذا لا يتنافى مع قوميتي اللبنانية.
قال : وهل تتنافى القومية العربية مع لبنان؟
قلت : لنبحثن. اتسلم بان القومية العربية تيار سياسي يرمي الى تحقيق وحدة سياسية في ارض تمتد م المحيط الاطلسي الى الخليج الفارسي؟
قال : اسلم
قلت : اذاً هي ليست فكرة فقط. انها عمل من اجل كيان سياسي معين.
قال : هذا صحيح.
قلت : والكيان السياسي؟ اهو صفة ام وجود؟
قال : انه وجود
قلت : وكيف تحدد الوجود في السياسة؟
قال : بالمكان او الطبيعة، وبالزمان او الانسان.
قلت : ماذا تقصد بالطبيعة؟ اتقصد بها الارض فقط بمعناها الخارجي؟ ام هي القطر الصالح زرعاً ورياً ؟ وهنا يدخل الاقتصاد ايضاً ؟
قال : بلى اقصد القطر الصالح.
قلت : هذا من جهة المكان. يبقى الزمان. اليس هو حاصل الماضي والحاضر والمستقبل؟
قال : بدون شك.
قلت : الا تعتقد ان كلمة ” التاريخ” تعبر عن هذه الابعاد الثلاثة؟
قال : اعتقد.
قلت : حسناً. اذاً التاريخ هو مجموع التقاليد، بمعناها الشامل، التي تؤلف ارادة مشتركة، يعطاها الانسان تراثاً من الماضي، ليعايشه حاضراً، في اتجاه المستقبل. يبقى سؤال. هذه الاسانيد الجغرافية، والاقتصادية، والتاريخية، كيف يعبر عنها الانسان، على صعيد الذهن؟ اليس باللغة؟
قال : جبراً باللغة.
قلت : لقد كمل بين ليدينا، الاطار الجوهري، انه ارض، واقتصاد، وتاريخ، ولغة. لكن كيف يصون الانسان هذا الاطار الجوهري؟ اليس عن طريق المؤسسات؟
قال : لم افهم.
قلت : لنأخذن الارض. ايحن الانسان الى مطلق ارض؟ ام هناك الارض التي تمثل له الوطن؟
قال : صدقت. انها الارض التي تمثل له الوطن.
قلت : والوطن اليس رقعة من الارض عينت لها حدود؟ هذا من الناحية الجغرافية. اليس كذلك.
قال : انه لكذلك.
قلت : لنأخذن الانسان الموجود على ارض الوطن. اليس بحاجة الى ادارة داخلية تسير له اعماته وتيسرها؟
قال: جبراً.وهي تسمى الحكومة.
قلت: احسنت. ولكن الانسان لا يعيش وحده في المعمورة. هناك غيره من المجتمعات التي تتمتع بالاسانيد الجوهرية ذاتها. الا يترتب عليها ان تعترف بوجوده كي يصير هذا الوجود حقا دوليا؟
قال: يترتب.
قلت: يوم تعترف به ماذا يصبح؟
قال: دولة.
قلت: أبدعت. اذا الدولة هي الاعتراف، الذي يحصل عليه الشعب، من الخارج، والذي يدل (أي الاعتراف) الى انه (اي الشعب) مستقل في علاقاته مع الاغيار. هذا من الناحية الحقوقية الدولية.اليس كذلك؟
قال: انه كذلك.
قلت: الا تعتقد ان الدولة بحاجة الى صيانة الجيش؟
اعتقد بل اؤمن.
قلت: الا تعتقد ان شخصا واحدا يمثل كل السلطات هو الرئيس الأعلى.الا تسلم بذلك.
قال: اسلم.

قلت: اعيد. لغة، القومية تأتي من القوم الذي ينتسب اليه الانسان. وليس مطلق قوم ينتسب اليه مطلق انسان. ثمة قوم واحد يحدده جوهر واحد ووجود واحد. الجوهر الواحد يقوم على أنه ارض واحدة، واقتصاد واحد، وتاريخ واحد، ولغة واحدة. تلك هي الاسانيد الجوهرية المنبثقة من الزمان والمكان. وقد ترتب عليها ان تتجسد في مؤسسات تلخصها الحكومة (أي السيادة في الداخل) والدولة (أي الاستقلال في الخارج) هذا هو الكيان السياسي.
قال: صدقت.
قلت: اذا القومية العربية جوهر ووجود. معنى ومبنى. فكرة وتحقيق. ذلك لان القومي العربي لن يكتفي، فقط، بالشعور المجرد نحو القومية العربية. انه يعمل ايضاً من أجل تحقيقها في كيان سياسي واحد.
قال: هذا حق.
قلت: وهل يقبل الكيان السياسي الواحد قوميتين مختلفتين؟
قال: انه لتناقض.
قلت: عليك الآن ان تستنتج.
قال: لا سبيل الى القومية العربية والقومية اللبنانية في آن واحد. إما هذه وإما تلك. ذلك لأن لبنان يتمتع ايضا بكل صفات القومية كما حددتها انت.
قلت: لا فض فوك. ان اللبناني، الذي يطمح الى القومية العربية، يعمل ضمنا الى ازالة لبنان، إن آجلا وإن عاجلا. كيف يمكن التوفيق اذا بين هذين الادعاءين “انا قومي عربي” “وانا ادافع عن كيان لبنان واستقلاله”؟ وهل بمقدورنا ان نعايش قوميتين في كيان سياسي واحد؟ إما ضد لبنان مع القومية العربية، وإما ضد القومية العربية مع لبنان. عليك ان تختار بوضوح وجرأة وصراحة.
هنا تضايق محدثي واحمر وجهه وارتجف ثم انتصبت عروقه من شدة الانفعال.
قال: انت تدافع بطرق الفلسفة عن القومية اللبنانية. وقد تكون على صواب الا انني لا اسلم بها.
قلت: انت حر ان لا تمنحها ولاءك الفردي او الحزبي. تلك ناحية عاطفية تعبر عن انك لا تريد القومية اللبنانية. الا ان القومية اللبنانية موجودة بالفعل والقانون. وهي وليدة ارادة مجموعية تعود بجذورها الى مئات السنين في التاريخ الاكبر. لقد صارت صيغة رياضية. فانكارك اياها هو موقف خاص بك وبحزبك ولكنه لا يستطيع ان يتناول تراكمات اثنية في الزمان والمكان عمرها آلاف الأعوام. هناك دولة لبنانية تجيز لي عقلانيا ان اؤكد وجود القومية اللبنانية ولا تجيز لك ان تؤكد الا عاطفيا وجود قوميتك اللبنانية. واني اكرر ما قاله انطون سعاده بان التاريخ لا يسجل الاماني ولا النيات بل الافعال والوقائع. فانطلاقا من هذا السند الذي وضعه سعاده يمكنني القول بان القومية اللبنانية موجودة وحدها في لبنان بوجود الدولة اللبنانية. وقد طرحتها على بساط الرأي العام. طرحتها كعقيدة للتاريخ. عليك بعد الآن ان تكذبها او ان تصدقها. قبلا لم تكن القومية اللبنانية مطروحة بهذا الشكل الجدلي الواقعي الصارم. اما اليوم فانك تجابه نظرية فلسفية لا بد لك من تكذيبها او تصديقها. ولئن كذبتها او صدقتها فانك ترسخها في دفاتر التاريخ. تلك هي معضلتك بعد اليوم. لقد تحررت أنا من عقدة الغياب القومي الذي فرضته انت علي مدة نصف قرن. منذ خمسين سنة وانا احاول ان اكذبك. عليك انت بعد الآن ان تكذبني. فانا قومي لبناني بفعل القوة التي لمنطق الجدل، وانا قومي لبناني بقوة الفعل الذي لواقع الساسة، انا قومي لبناني على سنان الرمح وفوق رؤوس الاشهاد.
قال: ربما كنت على صواب في ضوء تلك الفلسفة الجديدة التي طلعت بها علينا. اجل! الدولة اللبنانية موجودة وبالتالي القومية اللبنانية. ولكنها دولة مصطنعة. دولة كرتونية اقامها الجنرال غورو بشحطة من قلمه. فاذا ما زالت الدولة اللبنانية زالت القومية اللبنانية.
قلت: لقد رحت عليك الجولة الاولى باعترافك ان الدولة اللبنانية موجودة وبالتالي القومية اللبنانية. وساربح الجولة الثانية ايضا.
قال: كيف؟
قلت: انت تخلط بين الحكومة والدولة. ربما كانت الحكومة اللبنانية يومذاك من صنع الجنرال غورو. اما الدولة اللبنانية فهي من صنع التاريخ الممتدة جذوره الى ما قبل التاريخ. الدولة تركيب اثني. لعلها اجدر الشؤون والمظاهر الثقافية تمثيلا للحياة العقلية التي هي من خصائص الاجتماع الانساني.
قال: ايضا ربما كنت على صواب. مع ذلك فانا اعتبر الدولة اللبنانية دولة كرتونية.
قلت: يا الف مرحى لهذا الكرتون. لماذا لا تزيلونه؟ لماذا لم تتمكنوا من تمزيقه؟ لماذا لا تتكرتنون انتم محل كرتوننا؟ الكرتون شيء بسيط، شيء سهل، شيء رخيص، شيء سخيف جدا، بل شيء يداس. والتخلص من الكرتون لا يتطلب كبير عناء. لا يتطلب مؤامرات واغتيالات وعقائد وفلسفات وصراعات. لا يتطلب احزابا وتنظيمات. اذا كانت القومية اللبنانية وليدة دولة جاءت بشحطة من رأس قلم غربي، فلماذا لا تزيلونها بشحطة معاكسة من رأس قلمكم، وهكذا ترتاحون وتريحون؟ هب ان القومية اللبنانية كرتونة، فقد تغلبت هذه الكرتونة على فولاذكم المزعوم. وعندما يتغلب الكرتون على الفولاذ فهذا يعني ان كرتوننا فولاذ وان فولاذكم كرتون. (وانتهى الحوار عند هذا الحد بعد ان سكت محدثي).

كمال يوسف الحاج – ألفيلسوف