الياس خوري: طغمة الاستبداد على الطريقة اللبنانية

38

طغمة الاستبداد على الطريقة اللبنانية
الياس خوري/القدس العربي/18 نيسان/17

الجدل الدائر حول قانون الانتخابات النيابية في لبنان، والعواصف التي يثيرها، وما يبدو توتراً في علاقات أمراء الطوائف، هو محاولة لاعادة تأسيس نظام الحرب الأهلية، بعد الخروج السوري من لبنان عام 2005. في ظل الوصاية السورية كان القرار خارج لبنان في شكل كامل. فبدعة الترويكا الحاكمة لم تكن قادرة على البت في الأمور الأساسية التي تركت لعنجر ودمشق، ولكن بعد انهيار النظام القديم وعجز انتفاضة الاستقلال عن انتاج صيغة حكم جديدة، عاد لبنان إلى الدوران حول حافة الحرب. وحافة الحرب هي اللعبة التي تتقنها طبقة جديدة صعدت بعد اتفاق الطائف، وأجبرت على استقبال المطرودين منها بعد انتفاضة الاستقلال. واللعبة تستند إلى واقع سياسي جديد. فالطبقة الجديدة المؤلفة من أمراء الحرب والمال، وشريكة المصارف في ابتزاز الاقتصاد اللبناني قامت بكسر كل المحرمات، فصار النهب فخراً والابتزاز ثقافةً وإفقار الناس وسيلة للثراء الفاحش.

لا تستطيع هذه الطغمة المافيوية حكم لبنان إلا عبر استراتيجيتين:
الأولى هي وضع لبنان على حافة حرب أهلية دائمة، وهذا يقتضي تسعيراً طائفياً ورفع شعارات متعصبة والايحاء بأن الطوائف الدينية مهددة. حافة الحرب هذه هي وسيلة ابتزاز المجتمع اللبناني واخضاعه. فاللبنانيون واللبنانيات خرجوا من حربهم الأهلية الطويلة بدرس بليغ، هو أن الحرب الطائفية هي العبث بعينه. انها وسيلة لتدمير الذات والقضاء على المكان وروحه. واليوم ونحن نشهد الحرب الهمجية التي تدور في سوريا، فان الخوف الأكبر هو من تجدد الحرب. وهذا ما تهددنا به هذه الطغمة كل يوم.

الثانية هي شطب القوى المدنية اللاطائفية والعلمانية من المعادلة. في انتخابات بلدية بيروت وبعض البلديات الأخرى، سجلت القوى المدنية المتمردة على سلطة أحزاب هذه الطغمة نتائج تؤشر إلى أن الناس لم تعد تحتمل هذا العهر. ثم حاءت انتخابات نقابة المهندسين بانتصار مدوٍ للتيار المدني عبر فوز المهندس جاد تابت بمنصب النقيب، مخترقاً التابو الطائفي، عبر استناده إلى قاعدة مدنية متماسكة ومنظمة. اتت هذه المؤشرات لتدق ناقوس الخطر، مشيرة إلى أن المجتمع اللبناني انفلق من كابوس هذه الطغمة التي ملأت الأرض فسادا وافسادا.

القانون الانتخابي الذي يجري تداوله والشد والجذب حول تفاصيله، هو نتاج وعي هذه الطغمة بضرورة إقفال المجال السياسي أمام القوى المدنية والعلمانية، سواء أكانت إصلاحية أو جذرية. وهذا الإقفال يتم عبر انتخابات تجري على دورتين: في الدورة الأولى التي تجري على مستوى القضاء تختار كل طائفة دينية مرشحّين من ابناء طائفتها يتأهلان للدورة الثانية التي تجري على أساس النسبية على مستوى دوائر أكبر هي المحافظات التي تم تشذيبها كي تلائم الجميع.
كي ننتخب علينا أن نصير طائفيين، فننتخب في المرحلة الأولى ممثلين لطوائفنا يمثلونها في المرحلة الثانية.
هذا يعني مسألتين:
المسألة الأولى هي ان العلمانيين والذين يرفضون الطائفية لا يستطيعون ان يشاركوا في الانتخابات لأنها تهين قناعاتهم وانتماءاتهم. من قال للسيد جبران باسيل أن أناساً مثلي يرضون ان يُحّددوا على المستوى السياسي حسب انتمائهم الطائفي؟ من قال لكم أننا نرتضي، نحن الذين نحتقر الطائفية ونعتبرها ظاهرة عنصرية، أن نوضع في قفص لا نؤمن به ونعتبره عاراً وخزياً.

المسألة الثانية هي أن هذا القانون الانتخابي، اذا استطاع أن يمر، سوف يعني تحويل لبنان إلى كونفدرالية طوائف، لا تملك المقومات الجغرافية للوجود. الطوائف ليست قوميات ولا تمتلك أرضاً خاصة بها، والحرب الأهلية رغم همجيتها فشلت في إقامة مناطق تطهير طائفي. لم تنجح الحرب الطائفية سوى في مستويين. الأول هو دفع أكثر من ثلث اللبنانيين إلى الهجرة من لبنان، والثاني هو تسليط هذه الطغمة من سياسيي اللصوصية وهدر القيم على لبنان.

الكونفدرالية الطائفية التي تسعى هذه الطغمة إلى تأسيسها هي عودة إلى ما هو اسوأ من نظام المتصرفية لكن من دون مرجعية خارجية تضبطه. في زمن الهيمنة المديدة للنظام الاستبدادي السوري على لبنان، كان القرار السياسي في دمشق، أما اليوم فان تعدد مرجعيات القرار بين طهران والرياض… سوف يعني، أن ما تسعى اليه الطغمة الحاكمة عبر اللعب على حافة الحرب الأهلية، قد يفلت من يديها في اي لحظة. وهذا لن يقود سوى إلى الكارثة الكبرى، لأن حرباً أهلية جديدة سوف تعني نهاية المجتمع اللبناني ودماره الكامل.

هذا التذاكي المليء بالتناقضات لن يعيد المسيحيين إلى مركز القرار في السلطة مثلما تحلم الثنائية المارونية، ولن يحمي سلاح حزب الله، أو يعزز سلطات الثنائية الشيعية، ولن يؤبّد الحريرية كزعامة سنية وحيدة، بل سيقود الجميع إلى دمارهم ودمار لبنان.

لم يشهد لبنان، على ما في تاريخه الحديث والمعاصر من مخازٍ، حمقاً يشبه هذا الحمق، واحتقاراً للناس يشبه هذا الاحتقار والازدراء. فلبنان اليوم يعيــــــش في ظل طائفيـــــين لا طائفة لهم سوى النهب والاستزلام للقوى الخارجية، يستغلون لحظة هذه العـــــتمة الانحطـــاطية في المشرق العربي، من أجل تعميم ظلامهم وظلاميتهم وأخذ لبنان إلى الهاوية.

سواء مرّ هذا القانون أو تعثر وتم اللجوء إلى قانون آخر يحقق هدف اقفال السياسة في وجه المدنيين والعلمانيين والديمقراطيين، وسواء ذهبت الطغمة الحاكمة إلى انتخابات نيابية أو اضطرت إلى التمديد بسبب تضارب مصالح مكوناتها، فان نقطة الضوء الوحيدة التي تلوح في الأفق هي خوف هذه الطغمة من القوى المدنية.
وهذا يرتب على هذه القوى دوراً كبيراً.
يجب تحويل خوفهم إلى حقيقة والنضال من أجل منعهم من تمرير قوانين كارثية أو فرض التمديد. وهذا ممكن لسبب اضافي هو أن هذه الطبقة مفككة وتافهة ولا تمتلك سوى خطاب مهلهل لم يعد له معنى.