محمد نمر/أحزاب “14 آذار” خذلت جمهورها… ووشاح جبران تويني يشهد

9

أحزاب “14 آذار” خذلت جمهورها… ووشاح جبران تويني يشهد
النهار/محمد نمر/آذار 2017 |

كان المشهد تاريخياً في 14 آذار 2005، ولا يزال وشاح انتفاضة الاستقلال على كرسي مكتب الشهيد جبران تويني يشهد على حال مبنى “النهار” وساحة الشهداء في ذاك اليوم. الطبقة السادسة من المبنى شكلت امتداداً جغرافياً للمنتفضين ومحطة للزعماء قبل التوجه إلى المنصة. وجبران كان نقطة التقاء بين الشخصيات، سواء من لقاء “قرنة شهوان” أو تجمّع “البريستول”، ولم تكن “النهار” مجرد صحيفة لنقل الخبر، بل “ديكاً” في مواجهة الوصاية السورية.

في قاعة الاجتماعات انتظر السياسيون موعد اطلالتهم. “اسمحوا لي بخمس دقائق” قال جبران وانتقل إلى مكتبه، وبقلم رصاص وعلى قصاصة ورق كتب القسم الشهير: “نقسم بالله العظيم ان نبقى موحدين… مسلمين ومسيحيين”، واطلع نائب رئيس تحرير “النهار” نبيل بو منصف على قراره ضم القسم الى خطابه. حينذاك لم يكن تحالف “14 آذار” قد ولد، وكان الهاجس الوحيد لجبران يرتبط بوحدة الموقف، فهي المرة الأولى التي تتشكل جبهة وطنية عريضة عابرة للطوائف… ويبدو ان هاجس جبران كان في محله !

بعد 12 عاماً على هذه المشهدية، يشهد الوشاح نفسه والمكتب وحتى يد الجرة التي كسرها جبران في نيسان بعد خروج آخر جندي سوري وحوّلها تحفة فنية، على تخلي قادة “14 آذار” عن أحلام نصف الشعب اللبناني بالسيادة وحصر السلاح بيد الشرعية والديموقراطية الحقيقية والحرية واحتفاظ الدولة بقرار السلم والحرب، وفضّلوا المكاسب السياسية والتسويات والاحتفاظ بمراكزهم عبر تمديدين في مجلس النواب، وصرفوا النظر عن مشروع الهيمنة الايرانية على لبنان وعن استهداف الدستور والفساد المتفشي، وشغلوا اللبنانيين بلقمة عيشهم، فاطمأنت ايران وحلت بديلاً من الوصاية السورية بتوسيع نفوذها بأياد لبنانية حزبية، وخاب أمل صانعي الانتفاضة وغاب المشهد الجامع لقيادات “14 آذار” وبات التحالف بحكم المنتهي… فماذا عن الجمهور والأفكار؟

“14 آذار تعني السيادة والاستقلال والمواطنة ورفض الطائفية والهيمنة، هذه الأفكار حاضرة والناس ما زالوا موجودين، لكنهم ليسوا مقطّرين. جزء منهم يشعر بالقرف بعدما راهن على القيادات وجزء آخر لا اطار يجمعه”، وفق ما تقول الدكتورة منى فياض التي آمنت بحلم “14 آذار” لكنها اليوم تنتظر حالة جديدة وحادثا جديدا للانطلاق بثورة جديدة. وتوضح: “ما يغير الوضع في لبنان هو نوع من الانزال او حادث كبير، كحرب كبيرة أو ضربة ربما، ولكن الافضل ان تقدم الفئة المؤمنة بأفكار “14 آذار” وهي شريحة وازنة على عصيان مدني وثورة بيضاء، وما يشبه 2005″، لافتة إلى أنه “عند انطلاق الانتفاضة يكون تحرك المنظومة عادة بطيئاً وتحتاج إلى حدث قوي يزاوج ما بين المشاعر والهدف”. وتضيف: “الذين قادوا الدفة فضّلوا المصالح الآنية والصغيرة تحت ذرائع ضغط حلفاء اقليميين أو عنف داخلي، واتفاق الدوحة والتمديد لمجلس النواب من معالم النهاية، لماذا مددوا لأنفسهم؟ لأن ماكيناتهم الانتخابية اكتشفت أن الانتخابات ستغير حصة الزعيم في المجلس ففضلوا الغاء الانتخابات مرتين للحفاظ على حصصهم ووصلنا إلى مأزق صعب حله”.
نسألها: هل باتت الأحزاب خارج ثورة “14 آذار”؟ تجيب: “أين هي الاحزاب أساساً؟ لدينا احزاب طائفية وممثلو طوائف، ربما تيار المستقبل لديه تنوع أكثر من غيره لكن كل أحزابنا طائفية، والزعماء هم ممثلو الطوائف وباتت مهمة الأحزاب اسكات الجمهور وجذبه إلى خيارات الزعماء”. ورغم تشاؤمها لا تزال ترى الدور الكبير لجمهور “14 آذار”، لكنه “لا يعرف كيف يترجم اعتراضه وليس هناك من يشجعه بل هناك من يحبطه ويمنعه من التعبير والتغيير”.

“صيغة وفشلت” كلمتان يعبر فيهما أمين سر “حركة اليسار الديموقراطي” الياس عطاالله عن حال “14 آذار”، لكنه يتوقف عند “التداول بتعبير خاطئ”، ويوضح: “ما جرى في العام 2005 انتفاضة الاستقلال وكانت لديها صيغة تنظيمية تقوم على أن “الجزء محل الكل” اسمها “14 آذار”، وبالتالي الأخيرة انتهت والاحزاب تخلت عن احلام جمهورها وراحت نحو مصالح فئوية ما دون وطنية وخرجت عن انتفاضة الاستقلال. صحيح أن الأخيرة حصلت مع عوامل خارجية ساعدت على انهاء الانتداب السوري، لكن نتيجة سلوك الاطر التنظيمية لـ14 آذار أوقع البلد بين براثن حزب الله الذي صادر الارادة الوطنية”، لهذا يرى عطاالله أن “اي عمل سياسي خارج مواجهة المسألة الرئيسية التي هي مصادرة الارادة الوطنية من حزب الله هو عمل فاشل. وقد راهن الزعماء على ملء الفراغ ولم نحصل على نتيجة ولا حتى الحكومة وقانون الانتخاب سيؤمنان المطلوب لأن كل ذلك يحصل تحت سقف واحد هو مصادرة الارادة الوطنية”.

ماذا عن انتفاضة الاستقلال؟ يجيب: “من المستحيل ألا يكون هناك دور لانتفاضة الاستقلال لأنه من دونها لا يمكن أن يعيش البلد، ونستطيع أن نستكملها ونحتاج إليها، لكن علينا ان ننتظر المستجدات لان هناك خيبة أمل كبيرة لمن شكّل الانتفاضة، وليست الأحزاب من صنعتها بل صحوة الرأي العام، والتفاؤل اليوم بالشباب”.