الياس بجاني/بالصوت والنص/تأملات وسرد إيماني لحياة القديسة بربارة في ذكرى عيدها السنوي

212

الياس بجاني/بالصوت/فورماتMP3/تأملات وسرد إيماني لحياة القديسة بربارة في ذكرى عيدها السنوي/04 كانون الأول/16

في أعلى بالصوت/فورماتMP3/الياس بجاني/تأملات وسرد إيماني لحياة القديسة بربارة في ذكرى عيدها السنوي/04 كانون الأول/16(من أرشيف 2013)

 

الياس بجاني/بالصوت/فورماتWMA/تأملات وسرد إيماني لحياة القديسة بربارة في ذكرى عيدها السنوي/04 كانون الأول16(من أرشيف2013)/اضغط هنا

 

 

من هي القديسة بربارة؟
جمع وتنسيق/الياس بجاني/04 كانون الأول/16

تكرِّم الكنيسة الجامعة تذكارَ القدّيسة بربارة في 4 كانون الأوّل وتطلب شفاعتها. إنّما يختلف المؤرّخون في تحديد زمن ولادتها واستشهادها. فقد ارتأى بعضهم أنّها نالت إكليل الشهادة عام 235م إبّان الإضهاد السابع الذي أثاره الإمبراطور مكسيمانوس الغوثيّ ضدّ المسيحيّة، ومِمّا يؤكّد صحّة هذا الرأي ، ما جاء في قصّتها، أنّها راسلت العلّامة أوريجانس المتوفّي عام 255.

ولادتها ونشأتها
ولدت بربارة في أوائل القرن الثالث للميلاد في مدينة “نيقوميدية” ، وكانت الإبنة الوحيدة لوالدها “ديوسقورس”الوثنيّ المتعصّب الذي اشتهر في قومه بالغنى الفاحش والجاه وقساوة القلب ، وبكرهه للمسيحيّة. أمّا وحيدته بربارة فكانت دمثة الأخلاق، لطيفة ومتواضعة، تحبّ الناس كافّة. ماتت والدة بربارة وهي صغيرة ، فأقام والدها حرساً عليها لتبقى في القصر المنيف من شدّة خوفه عليها، كما جلب لها أساتذة بارعين ليعلّموها شتّى أنواع العلوم اللغويّة والفلسفيّة والتاريخيّة، لتنشأ كسائر فتيات الأغنياء في عصرها، كما ملأ والدها جوانب القصر أصناماً لشتّى الآلهة التي كان يعبدها لتتمثّل به وحيدته بالسجود والعبادة.

اعتناقها المسيحيّة
نالت بربارة ثقافة دنيويّة عالية، لكنّها كانت تشعر بفراغ كبير في عقلها وقلبها، ، وكان بين خدمها بعض المسيحيّين فاستفسرت منهم عن إلههم الذي لايسكن في الحجارة فشرحوا لها أصول الدين المسيحيّ وأشاروا عليها بمراسَلَة العلامة ” أوريجانس” أستاذ مدرسة الإسكندريّة الكبير، الذي بإمكانه أن يبسِّط أمام أمثالها من المثقّفين حقائق الإيمان المسيحيّ. كتبت بربارة إلى أوريجانس بما يدور في رأسها من أفكار دينيّة فلسفيّة. وطلبت إليه أن يتنازل ليكون معلّماً لها، فابتهج بذلك وأجابها على رسالتها موضحاً حقائق الإيمان المسيحيّ، وأرسل لها كتاباً بيد تلميذه “فالنتيانس” الذي أوصاه أن يشرح لبربارة تعاليم الربّ يسوع. لمّا قرأت بربارة رسالته امتلأت من الروح القدس، وبشجاعة فائقة أدخَلت فالنتيانس إلى قصرها ليكون أحد أساتذتها، فلقَّنها أصول الإيمان المسيحيّ، وشرح لها عقيدة التجسُّد الإلهيّ، وبتوليّة العذراء مريم والدة الإله. وبعد أن تعمّقت بأصول المسيحيّة، طلبت أن تنال نعمة المعموديّة، فعمَّدها الكاهن فالنتيانس، وكرّست نفسها للربّ يسوع، وكانت تواظب على الصلاة والتأمّل بسيرة الفادي ليلاً ونهاراً، وازداد احتقارها للأصنام التي ملأ أبوها القصرَ بها.

رفضها الزواج بوثنيّ
طلب يد بربارة أحد أبناء النبلاء من الوثنيّين في “نيقوميدية”، ففاتحها أبوها بذلك فرفضت الإقتران به، محتجّة برغبتها في البقاء إلى جانب أبيها وصعوبة فراقه والابتعاد عنه.فقرّر أبوها أن يعَوِّدها الافتراق عنه فسافر إلى مدينة أخرى بضعة أيّام.

تحطيمها الأصنام وتقديسها الثالوث
انتهزت بربارة فرصة غياب أبيها عن القصر فأكثرَت من الصيام والصلاة والتأمّل بالكتب المقدّسة وسِيَر القدّيسين، كما حطّمت أصنام أبيها الكثيرة المنتشرة في جوانب القصر، وكان أبوها قد أمر أن يُشيَّد لها حمّاماً خاصّاً في القصر ويُجعَلَ فيه نافِذتان، فأمرَت البنّائين أن يفتحوا شبّاكاً ثالثاً كي يكون عدد الشبابيك التي يدخل من خلالها النور على عدد الثالوث الأقدس.

ظهور السيّد المسيح لها
ظهر لها الربّ يسوع بهيئة طفل صغير جميل جداً، فسُرَّت بذلك لحظاتٍ من الزمن ثمّ انقلب سرورُها حزناً عميقاً لمّا تغيّرت هيئة الطفل الإلهيّ، إذ تخضَّب جسمه بالدم، فتذكّرت الفادي وتحمُّله الآلام والصلب في سبيل فداء البشريّة. وكانت الملائكة تظهر لها وتعزّيها وتشجّعها، وهكذا عاشت بربارة السماءَ وهي لا تزال على الأرض وشابهت الملائكة طُهراً ونقاء.

معرفة أبيها باعتناقها المسيحيّة
عندما عاد أبوها “ديوسقوروس” من رحلته ووجد أنّها قد حطّمت أصنامَه، هاج كالوحش الكاسر وأوشك في ثورة غضبه أن يقضي عليها ضرباً وتجريحاً، ولكنّها هربت من أمام وجهه. وبعد أيّام فاتحها ثانيةً بأمر تزويجها من شابّ وثنيّ، فرفضت مُعلِنةً أنّها قد وهبت نفسَها للربّ يسوع، فخرجَ عن طَوره وكاد أن يفتك بها مُعتبراً كلامها إهانة له ولدينه الوثنيّ، وحاول أن يوضح لها أنّها إذا بقيت على هذه الحال سوف تجعله يفقد مركزه المرموق في الدولة. هدّدها بأنّه إذا بقيت مسيحيّة سوف يغسل عارَه بسَفك دمها بيدَيه. هنا طلبت منه بربارة أن يستمع لها، ولو لمرّة واحدة، فشرحت له بُطلان عبادة الأوثان. عندها، استشاط غَيظاً وشكاها إلى حاكم المدينة.

اعترافُها بالمسيح جهراً
بناءً على شكوى والدها، استدعاها الحاكم ليُقاضيَها أمام الجمهور وحاول إغراءَها بالوعود الذهبيّة إذا تراجعت عن إيمانها بالمسيح، لكنّه باء بالفشل عندما أظهرت احتقارها لكلّ ما في العالم من مال وسلطة، وافتخارها بالمسيح يسوع… فأمر الحاكم بتكبيل بربارة، ثم عرَّوها من ثيابها وجلدوها بسياط مسنَّنة كالسكاكين، فتمزّق جسدُها وهي صابرةٌ لا تشتكي، بل تُمجِّد المسيح وتسأله أن يمنحها القوّة لتعترف به أمام المحكمة. في اليوم التالي أمر الحاكم باستجوابها علانيّةً، فتعجَّب الحاضرون جدّاً إذ رأوا جسمَها خالِيًا من آثار السياط. وحاول الحاكم ثانيةً إغراءَها، وإذ لم تؤثّر فيها وُعوده ووَعيده، أمر بتهميش ساقَيها بأمشاط من حديد. كما حرقوها بمشاعل مَوقودة، وضربوها بشدّةٍ على رأسِها وقطعوا ثديَيها، ثمّ ملَّحوا جسدها المُثخَن بالجُروح… كلّ هذا حدث وهي تسبِّح الله وتعلنُ إيمانَها بيسوع.

مواصلة جهادها وتحمّلها العذاب
أعادوا بربارة إلى سجنها المظلم وفي اليوم الثاني قادوها أمام الحاكم، ولكم كانت دهشة الناس عظيمة إذ رأوها بكامل صحّتها، فنسب الوالي شفاءَها إلى آلهته. قال لها هذا الأخير: “أنظري كيف استطاعت الآلهة أن تحميكِ!”، فأجابت بربارة: “لو كان لأصنامك حياة لاستطاعت أن تحمي نفسها في اليوم الذي حطّمتُها في قصر أبي. الإله الحيّ هو الذي ضمّد جروحي”. فاستشاط الحاكم غضباً وطلب من جنوده أن يقطعوا رأس بربارة بعد جرِّها في الشوارع عارِيَةً، فسترَها الله بضِياءٍ سماويّ.

استشهادها بيد أبيها
طلب أبوها من الحاكم أن يأذن له بقطع رأسها بيده فسمح له بذلك، فقادها أبوها الى خارج المدينة وهو يزبد، وعندما وصل إلى قمّة الهضبة، جثت بربارة على الأرض وضمَّت يدَيها إلى صدرها على شكل صليب وحنت هامتَها، فتناول أبوها الفأس وهَوى به على عُنُقها وقطعَه.

حياة القديسة بربارة البعلبكية.. وهاشلي بربارة
في كتابها عن القديسة بربارة تقول الكاتبة والرسامة لينا المر نعمة الصادر بالفرنسية بعنوان (بربارة بعلبك)، على انّ القديسة بربارة تنتمي الى فينيقيا (والى بعلبك بالتحديد).في حوار خاص لها في صحيفة الأنوار، إعتبرت نعمه هذا الكتاب (ثورة) على الاحتفالات المادية التي يقتصر عليها اليوم عيد القديسة بربارة، بحيث يطغى عليه عيد الشياطين والجنيات المعروف بالهالووين Halloween ومستقدم من جماعات السلتيين الذين استوطنوا بريطانيا وايرلندا، ونقله معهم الايرلنديون الى الولايات المتحدة الاميركية حيث طغى على عيد جميع القديسين المتزامن معه لاعتباره عيداً وثنياً. ومع ان لبنان ما زال اقل تأثراً من غيره من البلدان، تقول نعمه، فهو بدأ يصاب بالعدوى شيئاً فشيئاً، اذ يمارس الكثيرون عادات العيد الغربي ليمرحوا فقط، ومن المهم التأكيد ان طقوس (هالووين) انما هي عبادة للشيطان ونشر قصة العيد الحقيقية بين الناس.

رغم وجود العديد من القصص عن القديسة بربارة، وتختلف التفاصيل بحسب المنطقة والاهالي، تختار نعمه قصة اهالي بعلبك وتشرح في النهاية انها الاكثر إقناعاً بين غيرها. فتقوم بسرد القصة بلسان (المعلم عبدالله)، مهندس فينيقي ورث مهنته في بناء مُجَمّع بعلبك الذي بدأ به اجداده، ويتولى مسؤولية احدى الفرق الاساسية العاملة فيه في العام 235.تضيف المؤلفة على ذلك بعض التفاصيل للضرورة الدرامية كونه اغرم ببربارة وطلب يدها).

عبدالله والقصة
يفتتح عبدالله القصة بتعريفه عن نفسه واشارة الى ان الفينيقيين هم من بنوا مجمع بعلبك وليس الرومان كما هو مشاع. وتوسّع الكاتبة ذلك في كتاب لها بالفرنسية يعود الى العام 1997، يحمل عنوان (بعلبك، اثر فينيقي)، تعمل فيه على الإثبات ان معابد بعلبك بناها فينيقيون، وان هؤلاء نقلوا فنّهم الى الرومان الذين اعطوا اسمهم لما (لم يستطيعوا حمله الى بلادهم) كما جرت العادة وقتذاك. ويعرّف عبدالله بعد ذلك بالتاجر الفينيقي (ديكسوروس)، احد اهم واقوى الارستقراطيين في المنطقة، الذي عرض عليه عملاً عنده لاجل ابنته بربارة. ويصف المهندس قساوة الرجل وحبّه للرومان بأسلوب يشابه القصص المصورة، ويظهر من خلاله الجانب التربوي عند الكاتبة، فيبدو انها تخبر قصة للاطفال، تغلّفها بالبساطة والفكاهة وتضمّنها المعاني الاساسية اللازمة. في فصول اربعة لاحقة، يصف الراوي معاناة بربارة في تصديق آلهة تطلب التضحية بالابرياء، وبحثها عن اجابات على اسئلتها الكونية وايجادها عند عالم اللاهوت المصري (أوريجين)، كما يصف تمرّدها على آلهة أبيها وعلى هذا الاخير، ومدافعتها عن ايمانها (بإله المسيحيين)، رغم ما ينتظرها من مشقات لم تدفعها الى تغيير رأيها، بل ادّت بها الى الموت. لكن قصة القديسة بربارة لا تنتهي هنا، بل بما فعلته اثر وفاتها في نفوس الاحياء، خصوصاً (عبدالله) المهندس الذي احبها قبل ان يتعرّف اليها، فتعلّم من خلالها حب المسيح، كما فعل ويفعل الكثيرون الى ايامنا هذه. واليوم متصل بالامس بالنسبة الى نعمه، التي اصدرت في تموز الماضي (العام 2000) الجزء الاول من دراسة عن (نبوءات الكتاب المقدس حول لبنان المعاصر)، تثير فيه جدلاً.

“بسيّه بربارة”
من جهتها وفي مقالة للكاتبة زينة خليل عن القديسة بربارة ” بسيّه بربارة”، تقول: قال السيّد المسيح ” إن لم تمت حبّة الحنطة فإنها تبقى وحدها ولكن إن ماتت تأتي بثمرٍ كثير”… القمح أي حبة الحنطة رمز هذه الليلة ” ليلة عيد البربارة ” التي يحتفل فيها أغلبية المسيحيون في لبنان بذكرى “القديسة بربارة “التي استشهدت في 4 كانون الأول من العام 303 م وجسدها موجود حاليًا في كنيسة في مصر القديمة…

وقد كان والدها ديسقورس شديد التمسك بالوثنية … اما القديسة بربارة فتلقنت العلوم من العالم أوريجانس المسيحي  وتعلق قلبها بالسيد المسيح فنذرت حياتها له، ونالت المعمودية دون أن تفاتح والدها ، وقررت أن تعيش بتولاً تكرس حياتها للعبادة… وحين أدرك والدها الأمر جلدها حتى سالت منها الدماء،  ومزق جسدها بمخارز مسننة بينما هوي صامتة تصلي … وبعد هذه الحادثة هربت ” بربارة ” الى حقول القمح وإرتدت ملابس لتخفي ملامحها …

ومنذ ذلك الحين يحتفل العالم المسيحي بعيدها، فليلة 3 كانون الأول من كل عام يخرج الكبار والصغار من بيوتهم في أزياء تنكرية يختارها كل فرد على ذوقه ومع الوقت باتت الأزياء تتطور بحسب مجريات العصر التي لها تأثيراتها على الملابس والأقنعة المستخدمة في هذه المناسبة … وبعد التنكر يطوفون على بيوت الجيران والاقارب والاصدقاء ويعيدونهم راقصين مبتهجين  ومنشدين أغنية ” هاشلي بربارة مع بنات الحارة عرفتا من عينيها ومن لمسة إيديها ومن هيك الإسوارة هاشلي بربارة”…

ولا ننسى ” حلوينة العيد” من كل بيت يزورونه ( السكاكر والقطايف بالقشطة واللوز أو الجوز ) … وبعد الضيافة يكملون الأغنية  إذا كانت ربت المنزل كريمة قائلين: ” أرغيلي فوق أرغيلي صحبة البيت كريمي”، أما إذا كانت بخيلة فيخرجون من المنزل وملامح الغضب على وجوههم قائلين ” أرغيلي فوق أرغيلي صحبة البيت بخيلة”، ونذكر أيضاً بعض الأقوال التي يرددها الناس في هذه المناسبة : – برباره تبربرتي عندالرب تمخترتي، ابوكِ ها الكافر ، ها العباد الحجاره، جاب السيف يقتلكي، صار السيف سناره، جاب الحبلة يشنقكِ، صارت الحبلة زناره، جاب الجمرة يحرقكِ، صارت الجمرة بخوره.

– بسيّه برباره والقمح بالمغاره ،يا معلمتي حليّ الكيس، الله يبعتلك عريس بجاه العدرا والمسيح.

– وبلاطه فوق بلاطه صاحبة البيت خياطه، اركيله فوق اركيله، صاحبة البيت زنكيله.

– بسيّه برباره عامودين ومنشاره، لولا الشيخه ما جينا ولا خشيّنا هل الحاره.

أما في الغرب فالمسيحي يلجأ للصلاة والدعاء للقديسة بربارة لتحميه من  البلايا والأخطار, لاسيما وقت هبوط الصاعقة وفي ساعة الموت …  ويكرم هذه الشهيدة أصحاب الحرف والصناعات الخطرة كالذين يطلقون المدافع ويزاولون صنع البارود ويشتغلون بالأسلحة ويسبكون المعادن. وكذلك ترى كل من يخاطرون بحياتهم قد اتخذوا القديسة كشفيعة خاصة لهم كالبنائين ورجال الإطفاء وغيرهم.

ويذكر في سيرة القديس استانسلاوس الراهب اليسوعي انه استشفع بالقديسة بربارة إذ كان مقبلاً على الموت وليس له من يُقيته بسرّ القربان الأقدس فلبّت إلى دعائه وظهرت له مع ملكين وناوله أحدهما زاد الملائكة.

يقول: “لدي عادة، أنّه ولدى وصولي الى مكتب الأب يوسف يمين، نعمد على فتح كتاب “السنكسار” لإكتشاف أياً من اعياد القديسين نحن في ظلّه، وقد صودف في احدى المرات وجود التباس حول أصل أحد القديسين، بحيث تضاربت المعطيات حوله، كحال القديسة بربارة  التي يقول السنكسار الماروني أنّها ولدت في نيقوديميا، فيما تؤكد التقاليد اللبنانية والأب بطرس ضو أنّها من مدينة بعلبك وفق ما جاء في كتابه “تاريخ الموارنة”.